محمد بن جرير الطبري

31

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أتاك وحي من الله فيما حدث ، فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده ؟ فقال له النبي عليه السلام : لم يأتني وحي أحدث إلي في شأنك . فبينا هم على ذلك ، أوحى الله إلى شعياء النبي : أن ائت ملك بني إسرائيل ، فمره أن يوصي وصيته ، ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته . فأتى النبي شيعاء ملك بني إسرائيل صديقة ، فقال له : إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك ، وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك ، فإنك ميت فلما قال ذلك شعياء لصديقة ، أقبل على القبلة ، فصلى وسبح ودعا وبكى ، فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر وصدق وظن صادق . اللهم رب الأرباب ، وإله الآلهة ، قدوس المتقدسين ، يا رحمن يا رحيم ، المترحم الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك ، فأنت أعلم به من نفسي سري وعلانيتي لك وإن الرحمن استجاب له ، وكان عبدا صالحا ، فأوحى الله إلى شعياء أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه ، وقد رأى بكاءه ، وقد أخر أجله خمس عشرة سنة ، وأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده ، فأتى شعياء النبي إلى ذلك الملك فأخبره بذلك ، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع ، وانقطع عنه الشر والحزن ، وخر ساجدا وقال : يا إلهي وإله آبائي ، لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت ، أنت الذي تعطي الملك من تشاء ، وتنزعه ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء ، عالم الغيب والشهادة ، أنت الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين ، أنت الذي أحببت دعوتي ورحمت تضرعي فلما رفع رأسه ، أوحى الله إلى شعياء إن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده بالتينة ، فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ، ويصبح وقد برأ ، ففعل ذلك فشفي . وقال الملك لشعياء النبي : سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا . قال : فقال الله لشعياء النبي : قل له : إني قد كفيتك عدوك ، وأنجيتك منه ، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتابه فلما أصبحوا جاءهم صارخ ينبئهم ، فصرخ على باب المدينة : يا ملك بني إسرائيل ، إن الله قد كفاك عدوك فأخرج ، فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا فلما خرج الملك التمس سنحاريب ، فلم يوجد في الموتى ، فبعث الملك في طلبه ، فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتابه ، أحدهم بختنصر ، فجعلوهم في الجوامع ، ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر ، ثم قال لسنحاريب : كيف ترى فعل ربنا بكم ؟ ألم يقتلكم بحوله وقوته ، ونحن وأنتم غافلون ؟ فقال سنحاريب له : قد أتاني خبر ربكم ، ونصره إياكم ، ورحمته التي